الثلاثاء، مارس 17، 2009

اترك المستقبل حتى ياتي

{ اتى امر الله فلا تستعجلوه } لا تستبق الأحداث ، أتريد إجهاض الحمل قبل تمامه، وقطف الثمرة قبل النضج، إن غدامفقود لا حقيقة له، ليس له وجود، ولاطعم، ولا لون، فلماذا نشغل أنفسنا به، ونتوجس من مصائبه، ونهتم لحوادثه، نتوقع كوارثه، ولا ندري هل يحال بيننا وبينه، أو نلقاه، فإذا هو سرور وحبور، المهم أنه في عالم الغيب لم يصل إلى الأرض بعد، إن علينا أن لا نعبر جسراحتى نأتيه، ومن يدري؟ لعلنا نقف قبل وصول الجسر، أو لعل الجسر ينهار قبل وصولنا، وربما وصلنا الجسر ومررنا عليه بسلام.
إن إعطاء الذهن مساحة أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة ممقوت شرعا، لأنه طول أمل ، ومذموم عقلأ، لأنه مصارعة للظل.
إن كثيرا من هذا العالم يتوقع في مستقبله الجوع العري والمرض والفقر والمصائب ، وهذا كله من مقررات مدارس الشيطان {الشيطان يعدكم الفقر ويامركم باالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} كثير هم الذين يبكون، لأنهم سوف يجوعون غدا، وسوف يمرضون بعد سنة، وسوف ينتهي العالم بعد مائة عام. إن الذي عمره في يد غيره لا ينبغي له أن يراهن على العدم، والذي لا يدري متى يموت لا يجوز له الاشتغال بشيء مفقود لا حقيقة له.
اترك غدا حتى ياتيك ، لا تسأل عن أخباره ، لا تنتظر زحوفه، لأنك مشغول باليوم.
وان تعجب فعجب هؤلاء يقترضون الهم نقدا ليقضوه نسيئة في يوم لم تشرق شمسه ولم ير النور ، فحذار من طول الامل.
من كتاب لا تحزن لفضيلة الشيخ د.عائض القرني

يا الله

{ يسأله من في السموات والارض كل يوم هو في شأن }
إذا اضطرب البحر وهاج الموج وهبت الريح العاصف ، نادى أصحــــــــــــاب السفينة: يــا الله.
إذا ضل الحادي في الصحراء ومال الركب عن الطريق وحارت القافلة في السير، نادوا: يــا الله.
إذا وقعت المصيبة وحلت النكبة وجثمت الكارثة ، نادى المصاب المنكـــــــــــــــــــوب: يــا الله.
إذا أوصدت الأبواب أمام الطلاب ، وأسدلت الستور في وجوه السائلين ، صاحـــــــــوا: يــا الله.
إذا بارت الحيل وضاقت السبل وانتهت الامال وتقطعت الحبال ، نـــــــــــــــــــــــــادوا: يــا الله.
إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت وضاقت عليك نفسك بما حملت ، فاهتـــــــــــــــفت: يــا الله.
ولقد ذكرتك والخطوب كوالــــــــح *** سود ووجه الدهر أغبر قـــاتم
فهتفت في الأسحار باسمك صارخا *** فإذا محيا كل فجر باســــــــــم 
إلية يصعد الكلم الطيب ، والدعاء الخالص ، والهاتف الصادق ، والدمع البريء ، والتفجع الواله. إليه تمد الأكف في الأسحار، والأيادي في الحاجات ، والأعين في الملقات ، والأسئلة في الحوادث. باسمه تشدو الألسن وتستغيث وتلهج وتنادي ، وبذكره تطمئن القلوب وتسكن الأرواح ، وتهدأ المشاعر وتبرد الأعصاب، ويثوب الرشد ، ويستقر اليقين ، { الله لطيف بعباده }
الله: أحسن الأسماء وأجمل الحروف ، وأصدق العبارات وأثمن الكلمات ، { هل تعلم له سميا }
الله: فإذا الغنى والبقاء ، والقوة والنصرة ، والعز والقدرة والحكمة ، { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار }
الله: فإذا اللطف والعناية ، والغوث والمدد ، والود والإحسان ، { ومابكم من نعمة فمن لله }
الله: الجلال والعظمة ، والهيبة والجبروت.
مهما رشفنا في جلالك أحرفا *** قدسية تشدو بها الأرواح
فلأنت أعظم والمعانـــي كلها *** يارب عند جلالكم تـنداح
اللهم فاجعل مكان اللوعة سلوة ، وجزاء الحزن سرورا ، وعند الخوف أمنا.
اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين ، وأطفىء جمر الأرواح بماء الإيمان.
يا رب ألق على العيون الساهرة نعاسة امنة منك ، وعلى النفوس المضطربة سكينة ، وأثبها فتحا قريبا.
يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك ، وضلال المناهج إلى صراطك ، والزائغين عن السبيل إلى هداك.
اللهم أزل الوساوس بفجر صادق من النور ، وأزهق باطل الضمائر بفيلق من الحق ، ورد كيد الشيطان بمدد من جنود عونك مسومين. اللهم أذهب عنا الحزن ، وأزل عنا الهم ، واطرد من نفوسنا القلق.
نعوذ بك من الخوف إلا منك ، والركون إلا إليك ، والتوكل إلا عليك ، والسؤال إلا منك ، والاستعانة إلا بك ، أنت ولينا ، نعم المولى ونعم النصير.

ثمنك إيمانك وخلقك

مر هذا الرجل الفقير المعدم، وعليه أسمال بالية وثياب رثة، جائع البطن، حافي القدم، مغمور النسب، لا جاه ولا مال ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، ولا أثاث ولا متاع، يشرب من الحياض العامة بكفيه مع الواردين، وينام في المسجد، مخدته ذراعه، وفراشه البطحاء، لكنه صاحب ذكر لربه وتلاوة لكتاب مولاه، لا يغيب عن الصف الأول في الصلاة والقتال، مر ذات يوم برسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه باسمه وصاح به: «يا جليبيب ألا تتزوج؟».
قال: “يا رسول الله، ومن يزوجني؟ ولا مال ولا جاه؟”.
ثم مر به أخرى، فقال له مثل قوله الأول، وأجاب بنفس الجواب، ومر ثالثة، فأعاد عليه السؤال وأعاد هو الجواب، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا جليبيب، انطلق إلى بيت فلان الأنصاري وقل له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويطلب منك أن تزوجني بنتك».
وهذا الأنصاري من بيت شريف وأسرة موقرة، فانطلق جليبيب إلى هذا الأنصاري وطرق عليه الباب وأخبره بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: “على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، وكيف أزوجك بنتي يا جليبيب ولا مال ولا جاه؟”.
وتسمع زوجته الخبر فتعجب وتتساءل: “جليبيب، لا مال ولا جاه؟!”.
فتسمع البنت المؤمنة كلام جليبيب ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم فتقول لأبويها: “أتردان طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والذي نفسي بيده”.